أعمدة رأي

محمد حسن التعايشي عضو مجلس السيادة يكتب الاحتطاب على الظهور العارية

الثوار

 

لا تصلح هذه المراشقات الكلامية ولا يمكن لها أن تصلح كوصفة علاجية لحال بلادنا اليوم. المسؤولية والرشد السياسي الوطني يقتضيان وضع خارطة طريق واضحة لمواصلة مشوار الانتقال، والا فالنغادر ونترك هذه البلد وهذا الشعب النبيل إلى حال سبيله، فنحن لسنا الوحيدون ولسنا الافضل على اية حال .

في أكثر من مناسبة خلال هذا الأسبوع صدرت تصريحات عامة “من مسؤولين في قمة هرم السلطة،” تصريحات غير مرتبة وضعيفة التحضير وفقيرة من ناحية الرؤية ومعالم خارطة الطريق. إبتداءً لا يجدر بالقيادة السياسية في هذه البلاد ان تزيد من الإرباك العام إرباكاً أكثر مما هو عليه الآن، وبالطبع ليس من المتوقع منهم ان يقولوا نصف جملة ونصف إتهام ونصف تهديد في بلاد تنتظرهم ان يجيبوا علي اسئلتها بوضوح وبرؤية ذات معالم حقيقية وواقعية. فالإحتطاب على هذه الظهور العارية من السودانيين لايليق بهم. لقد قدم السودانيون تضحيات هائلة بما يكفي لوضع هذه البلاد في طريق التغيير، فكانت ديسمبر، وضحوا أكثر بمعاش أسرهم وقوت عيالهم وعرقهم ومستقبل تعليم أطفالهم، بل وأمنهم وصبروا على مراشقاتنا وبطئنا في الإستجابة وقدرتنا على التواصل معهم وإشراكهم بصورة مرضية في عمليات الانتقال. ان اخر ما يتوقعه السودانيون هو هذا العراك العدمي.

ست قضايا جوهرية مطلوب منا جميعاً توضيحها اليوم قبل الغد، والا فالنترك مفاتيح هذه المكاتب في مكان آمن، فمن بين أبناء وبنات هذه البلاد من يستحق ان يتولى المسؤولية ويستحق ان يقود شعبه إلى نظام ديمقراطي كامل. هذه القضايا الجوهرية الست هي:

1. الوثيقة الدستورية ليست صناعة فنيين في القانون الدستوري بل هي ترجمة قانونية لاتفاق سياسي طرفاه محددان في الوثيقة ومسؤولياتهما محددة . هذا الاتفاق يتوجب التأكيد عليه إبتداءً. وان كان هناك ثمة عدم رضا به، فيجب ان نتذكر ونُذكر الآخرين بالخيارات والمآلات التي ستنتهي عندها الأوضاع نتيجة لذلك.
هل هذه البلاد بحاجة إلى مواجهة جديدة أياً كان نوعها؟ هل لديها طاقة أصلاً ووقت للمواجهة؟ النقاش حول الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية ليس بالأمر المقدس، ولكن المقدس فعلاً في هذه الوثيقة ثلاثة أشياء هي أطرافها، شركاؤها، ومهامها التي يجب أن يؤدي تنفيذها إلى قيام نظام حكم ديمقراطي كامل وحكومة منتخبة.

2. مرّ تقريبًا عام على إتفاقية جوبا لسلام السودان الموقعة في 3 أكتوبر 2020. معظم الآليات التي تُعني بتنفيذ الاتفاقيه لم يتم تشكيلها، بما في ذلك مفوضية السلام التي تتولي مهمة تنفيذ الإتفاق. لم تُشكل القوى المشتركة لحفظ الأمن وحماية المدنيين بدارفور ولم تُفتح معسكرات التدريب لبدء دمج وتسريح القوات. بل ولم تبدأ إجراءات عملية الإصلاح وبناء وهيكلة القطاع الأمني. هذا على الرغم من أن كل هذا منصوص عليه وعلى آلياته، بما في ذلك كيفية عملها وسلطاتها وأعضاؤها وجداولها الزمنية، ومواقيت وكيفية تنفيذها. إن تنفيذ هذه الالتزامات هو ما ينتظره السودانيون وأصحاب المصلحة وشركاؤنا الاقليميون والدوليون، فهم لا ينتظرون منا العبارات الجافة التي يمكن ان تحيل هذه البلاد في لحظة إلى خراب ووضع لا يتمناه حتى أعداؤنا.

3. إستكمال الحوار مع الحركات التي لم توقع على اتفاق السلام خاصة الحركة الشعبيه لتحرير السودان بقيادة عبدالعزيز الحلو. لا اتكلم عن مسؤولية الطرف الثاني وواجباته في إستكمال وتقدم الحوار، فهذا ليس محلة هذا المقال، بل اتكلم عن واجباتنا نحن في حكومة السودان الانتقالية، ليتم الحوار بشكل اسرع وانجع ويعزز من فرص الانتقال ويدعم خيارات التحول الديمقراطي ووحدة البلاد. كيف يتم ذلك ومتي وماهي البيئة التي يحب توفرها وأهمها هو تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً في اتفاق جوبا ليرسل الاشارة الأساسية المطلوبه في هذا الحوار وهي بناء الثقة. هذا ما ينتظره السودانيون اليوم وشركاؤنا الدوليون. آخر ما ينتظرونه هو الرقص على أنغام الخلاف والشقاق وتحويل مناخ الانتقال إلى حلبة للمصارعة الحرة التي يقول فيها الشخص مايقوله كيفما إتفق. فطالما قد ارتضينا أن نكون قيادة لهذه الفترة الانتقالية، فنحن لسنا أحراراً في أن نقول ونفعل ما نشاء. فالمسؤولية هنا هي مسؤولية أخلاقية ودستورية وقانونية.

4. حياة الناس ومعاشهم وأمنهم واشراكهم في كل هذه العمليات الضرورية. إصلاح اوضاع الخدمات العامة الصحة والتعليم والمواصلات. هذه واجبات الدولة المحترمة والقيادة الرشيدة والقوية. إن السودانيون والسودانيات يتوقعون ان نتكلم معهم ونتواصل معهم ليس كلاماً فردياً او حلولاً مجتزأة، كما نفعل يوميًا، بل رؤية واحدة ورسالة واحدة وبصوت واحد. هذا هو المتوقع وليس الملامة والصرخات التي تجعلهم يتساءلون مرتين: من هو المسؤول في هذه البلاد المسكينة؟ ومن يشكون لمن؟، الشعب صنع ثورة عظيمة، والوثيقة التي عبرت عن إرادته السياسية خلقت مؤسسات وهي مكان الحوار والنقاش والكلام.

5. بناء وبدء إجراءات الانتقال الديمقراطي، خاصة تأسيس مفوضية صناعة الدستور والمؤتمر الدستوري: متى يتم تشكيلها ومتي تبدأ إجراءات المشاورات بشأن صناعة الدستور؟ التعداد السكاني وتنقيح السجل المدني، وصناعة قانون الانتخابات العامة وقانون مفوضية الانتخابات، والمشاورات بشأن النظام الانتخابي الامثل لهذه البلاد، واضعين في الاعتبار التجارب القديمة، وحتي الدروس الحالية، وكيف يُشرك السودانيون والسودانيات فيها؟ وماهي الضمانات التي تطمئن السودانيين وشركاءنا بأننا ماضون نحو إجراءات ديمقراطية بنهاية الفترة الانتقالية؟ إن أول ما ينتظره السودانيون للإطمئنان على مستقبل بلدهم هو الإجابة على الموضوعات أعلاه، وآخر ما ينتظرونه بالطبع هو الدواس في النقعة.

6. التنسيق وإدارة العمل والحوار والمشاورات بين مؤسسات الانتقال السيادي والتنفيذي.

جزء من هذه المراشقات والبيئة التنافسية سببها تنازع خفي غير موضوعي بين السيادي والتنفيذي في أكثر من موضوع وأكثر من ملف. كم مرة في الأسبوع يلتقي رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء؟ الأجندة التي يتباحثون حولها؟ نتائج تلك المشاورات وعلاقة مجلسيهما بها؛ هل هناك جداول عمل مشتركة ولجان عمل بغرض التنسيق والتعاون؟ هل هناك اتفاق على دور مجلس السياده في تقييم الاداء العام للحكومة، وكيف يتم ذلك؟ هل بالتراشق والنقد الجماهيري أم أن هناك آليات متوافق عليها تعمل علي تجويد وتحسين الاداء العام؟ الشعب السوداني ينتظر هذه الاجابات وليس غيرها.

ثم التنسيق وادارة النقاش حول الملفات السياسية الكبرى والخلافية، بما في ذلك قضايا الشراكة السياسية ما بين المكون العسكري والحرية والتغيير وشركاء السلام؟ هل هذه النقاشات مستمرة، أم موجودة اصلاً؟ الخلافات السياسية تحسمها القيادات السياسية وفشلها هو فشل للقيادة.

هذه البلاد تحتاج إلى مبادرة وطنيه تقودها القيادة الوطنية، وليست بحاجة إلى أزمة وراء أزمة أو مقتل وراء مقتل، أو غضب وراء غضب أو كلمة وراء كلمة؛ وتحتاج إلى رشد سياسي وليست بحاجة الي هوج سياسي؟ هل نحن في حاجة إلى ود لبات مرة أخرى ليعلمنا كيف نُدير خلافاتنا وكيف نضع لها الحلول، أم نحتاج إليه ليخبرنا ماهي العبارت اللائقة وغير اللائقة بين شركاء الانتقال وزملاء المؤسسات القيادية في هذه البلاد. نحن أكثر تأهيلاً من غيرنا أن نعلم. وأن لم نكن نعلم فلنضع المفتاح في مكان وأيدي آمنة من بين أبناء وبنات هذه البلاد ممن يحسنون الصنع ويحسنون الكلام.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى